ابن أبي الحديد

200

شرح نهج البلاغة

ساعة فسد تدبير سنه ، وطارق الليل فشر ما جاء به ، والطباخ إذا فرغ من الطعام ، فإنه متى أعيد عليه التسخين فسد . وكان حارثة بن بدر الغداني قد غلب على زياد ، وكان حارثة مشتهرا بالشراب ، فقيل لزياد في ذلك ، فقال : كيف باطراح رجل هو يسايرني منذ قدمت العراق فلا يصل ركابه ركابي ، ولا تقدمني قط فنظرت إلى قفاه ، ولا تأخر عنى فلويت عنقي إليه ، ولا أخذ على الشمس في شتاء قط ، ولا الروح في صيف قط ، ولا سألته عن علم . إلا ظننته لا يحسن غيره . ومن كلامه : كفى بالبخل عارا أن أسمه لم يقع في حمد قط ، وكفى بالجود فخرا أن أسمه لم يقع في ذم قط . وقال : ملاك السلطان الشدة على المريب ، واللين للمحسن ، وصدق الحديث والوفاء بالعهد . وقال : ما أتيت مجلسا قط إلا تركت منه ما لو أخذته لكان لي ، وترك ما لي أحب إلى من أخذ ما ليس لي . وقال : ما قرأت مثل كتب الربيع بن زياد الحارثي ، ما كتب إلى كتابا قط إلا في اجترار منفعة ، أو دفع مضرة ، لا شاورته يوما قط في أمر مبهم إلا وسبق إلى الرأي . وقال : يعجبني من الرجل إذا أتى مجلسا أن يعلم أين مكانه منه ، فلا يتعداه إلى غيره ، وإذا سيم خطة خسف أن يقول ( لا ) بملء فيه . * * * فأما خطبة زياد المعروفة بالبتراء - وإنما سميت بذلك لأنه لم يحمد الله ، فيها ولا صلى على رسوله - فقد ذكرها علي بن محمد المدائني قال : قدم زياد البصرة أميرا عليها أيام معاوية والفسق فيها فاش جدا ، وأموال الناس منتهبة ، والسياسة ضعيفة فصعد المنبر فقال :